08.jpg
  • Home
  • Press
  • عربي
  • فرات قدوري والذهاب بالقانون الى أرض الجاز

تسجيلات مجرية ناجحة لعازف تشيلو عراقي

يقيم عازف التشيلو العراقي قصي قدوري في المجر منذ منتصف الثمانينيات. وقصي هو نجل الموسيقي والباحث والمربي العراقي المعروف المرحوم حسين قدوري، تخرج من مدرسة الموسيقى والباليه في 1984، ثم قدم إلى المجرحيث درس أول الأمر في كونسرفاتوار بارتوك في بودابست لمدة ثلاث سنوات، ثم درس التشيلو وموسيقى الحجرة في أكاديمية فرانس ليست للموسيقى لخمس سنوات. أصبح قصي قدوري عازفاً في فرقة الراديو المجري السيمفونية حتى قبل أن يتخرج من الأكاديمية في 1993، وقد قبلوه مع زميلٍ له من بين ثلاثين عازف تقدموا للاختبار. ومنذ ذلك الحين برع قصي قدوري في عمله فأصبح يُستدعى للعزف مع العديد من الفرق المعروفة، على الخصوص فرقة بودابست الاحتفالية التي يقودها إيفان فيشر، وهي فرقة اشتهرت على صعيد عالمي ولها الكثير من التسجيلات الناجحة. وهو كذلك عضو في عدد من الفرق الأخرى مثل فرقة بودابست للتشيلو التي تعزف موسيقى من مختلف العصور، وفرقة ديفرتيمنتو المتخصصة بتقديم موسيقى عصر الباروك بدرجة أساسية، وعدا ذلك ينشط في تقديم حفلات منفردة لموسيقى الحجرة والعزف الثنائي والثلاثي والرباعي، ومع فرق الوتريات والحجرة وغيرها من أصناف فرق الموسيقى الأوروبية. قدّم قدوري في العام 1997 سلسلة من الحفلات في بيت بيلا بارتوك في بودابست (الذي تحول إلى متحف تذكاري)، ويعكس ذلك المكانة التي يتمتع بها كعازف وفنان. كما شارك في حفلات قدمتها الفرق المجرية المختلفة في العديد من الدول الأوروبية والآسيوية، ويساهم في تقديم حفلات في مهرجان بودابست الربيعي الشهير على صعيد عالمي (وهو مهرجان موسيقى وفني يقام في آذار من كل عام). وسجل مع فرقة الراديو المجري السمفونية وغيرها من الفرق العديد من التسجيلات. وبسبب نشاطه ودأبه وقدراته الفنية سجلت له شركة هنغاروتون كلاسيك عدة تسجيلات فردية على أقراص مدمجة، وتعتبر هذه التسجيلات من النوادر الموسيقية، إذ لم يسبق تسجيل بعض هذه الأعمال الموسيقية من قبل.

صدر أول تسجيل له عن شركة هنغاروتون المجرية المعروفة في 1999، ويتضمن التسجيل أربع عشرة قطعة من نوكتورنات شوبان
(1810-1849) بتوزيع للتشيلو والبيانو. أعاد توزيع النوكتورنات التي ألفها فريدريك شوبان أصلاً للبيانو ليوبولد غروتسماخر
(1835-1900) عازف التشيلو الأول في مسرح بايرويت (المسرح الذي أسسه ريشارد فاغنر) بسبب الغنائية التي تميزت بها هذه القطع الليلية. وقام قصي قدوري وعازف البيانو اوسكار مورجا بإعادة توزيع القطعة الأخيرة من التسجيل. ويبرز قدوري في هذا التسجيل الرائع، إذ تكاد أداته الموسيقية تنطق.

أما تسجيله لسوناتات التشيلو والفورتبيانو من تأليف فرديناند رِيَس (1784-1838) فقد صدر عن شركة هنغارتون في 2002. ولا تُقدم أعمال رِيَس في صالات الموسيقى كثيراً وتعتبر تسجيلاته من النوادر، وهذا أول تسجيل لهذه السوناتات في العالم على ما يبدو. يعرف المهتمون بالموسيقى رِيَس من كتابه عن سيرة حياة بيتهوفن بالدرجة الأولى، فهو أول من كتب سيرة بيتهوفن بالاشتراك مع فرانس غيرهارت فَيغَلَر. لكنه إلى جانب ذلك مؤلف موسيقي له العديد من المؤلفات، فقد نشأ رِيَس في عائلة موسيقية، وكان أبوه فرانس أنتون رِيَس (1755-1846) عازفاً للكمان وهو الذي علم بيتهوفن العزف على الكمان وعمّر طويلاً. تعلم فرديناند العزف على البيانو على يد أبيه، وعلى التشيلو عند بيرنهارت رومبَرغ (1767-1841). وأداة فورتَبيانو الموسيقية المستعملة في السوناتات التي سجلها قدوري هي تسمية البيانو بعد اختراعه في أوائل القرن الثامن عشر قبل أن تجرى عليه تطويرات جديدة ليتحول إلى البيانو الذي نعرفه اليوم. والتسمية إيطالية وتعني حرفياً ”قوي-خافت“، ويشير ذلك إلى قدرة هذه الأداة على إصدار الأصوات بمختلف الدرجات الديناميكية. ولا يزال البيانو يسمى بهذا الاسم في اللغة الروسية. وقد اشترك العازف بيتر ناج في العزف مع قدوري على الفورتَبيانو، وهو عازف مُجيد عزف مع مشاهير الموسيقيين العالميين، وحصل على جائزة فرنس ليست المجرية الحكومية في العام 2001، وهي أرقى جائزة رسمية تمنح في مجال الموسيقى، وهي نفس الجائزة التي منحت سابقاً إلى عازف العود العراقي المرحوم منير بشير.

وصدر لقصي قدوري تسجيل آخر عن هُنغاروتون يتضمن ثلاثة ثنائيات للكمان والتشيلو من تأليف أندرياس ياكوب رومبَرغ
(1767-1821) وبيرنهارت رومبَرغ (1767-1841) الذي مر ذكره، وثلاثة ثنائيات أُخرى للكمان والتشيلو من تأليف أندرياس ياكوب رومبَرغ. والمؤلفان أبناء عمومة، الأول أندرياس ياكوب هو عازف كمان ومؤلف وقائد أوركسترا، والثاني، بيرنهارت، هو عازف تشيلو معروف. وكما هو الحال مع أعمال رِيَس، يعد تقديم أعمال هذين المؤلفين من نوادر الصدف، وكذلك تسجيلاتهما. اشترك مع قدوري في التسجيل عازف الكمان المجري المعروف بارناباش كَلَمَن.

كما صدر تسجيل لرباعي بولزوش الوتري في 2003 عن شركة بولزوش، وفي التسجيل رباعيات ليوزف هايدن
(1732-1809) وأنتونين دفورجاك (1841-1904) ودمتري شوستاكوفيتش (1906-1975)، وهي توليفة من موسيقى ثلاثة عصور فنية مهمة لكن مختلفة تماماً، هي الكلاسيكية والرومانتيكية والمعاصرة. فيوزف هايدن النمساوي شهد في شبابه انقضاء عصر الباروك الذي مثله العملاقان باخ وهيندل، وعاصر بزوغ واضمحلال عصر الروكوكو الذي مثله موتسارت، وعاش حتى ظهور فترة فيينا الكلاسيكية الممثلة بشخص بيتهوفن، هو واحد من أغزر المؤلفين إنتاجاً، إذ كتب أكثر من مائة سمفونية علاوة على الكثير من الرباعيات والكونشرتات وغيرها. أما أنتونين دفورجاك التشيكي عازف الفيولا ومدير كونسرفاتوار براغ، فقد اشتهر بسمفونية ”العالم الجديد“ التي قدمها خلال زيارته للولايات المتحدة بين 1892-1895، وكان دفورجاك يدرّس مادة الهارموني في الكونسرفاتوار، فلا نتعجب بعد ذلك أن نسمع ما يسر من التآلف الصوتي في أعماله. وأخيراً دمتري دمتريفيتش شوستاكوفيتش أحد أهم موسيقي القرن العشرين الذي اشتهر بسمفونيته السابعة التي ألفها وقدمها أثناء حصار لينينغراد (سنتبطرسبرغ اليوم) خلال الحرب العالمية الثانية.
لكن أعماله الكثيرة تشير إلى عبقرية موسيقية واضحة، وتعد رباعياته الوترية من بين أجمل الأعمال المعاصرة. عانى كثيراً من ”السلطات“ السوفيتية الموسيقية التي أدانته لخلو أعماله من الغنائية (الانسيابية اللحنية) في 1936، ثم اتهمته مرة أُخرى بالشكلانية (وقصدوا بذلك الاهتمام الزائد بالشكل على حساب المضمون) في 1948 سوية مع سرغي بروكوفييف (1891-1953)، وقام شوستاكوفيتش بتقديم النقد الذاتي المطلوب في كل مرة. وتعكس هذه الحالات التدخل الفض في أصغر دقائق الحياة وهو ما ميز الفترة الستالينية، إذ طال هذا التدخل حتى عملية الإبداع ووصل حتى عقول المبدعين مفتشاً ومراقباً.
وصدر للفنان تسجيل آخر عن شركة هُنغاروتون في أيار 2004 مكرس لموسيقى البيانو والتشيلو الروسية، يضم سوناتا ألفها الكساندر تيخونوفيتش غريتشانينوف (1864-1956) ومقطوعات لراينهولد غْلِيير (1875-1956)، والأخير موسيقار روسي – سوفيتي من أصل بلجيكي، أصبح رئيساً لإتحاد المؤلفين الموسيقيين السوفيت، بمعنى أنه كان يمثل ”السلطات“ الموسيقية السوفيتية شخصياً، ولربما كان له صلة بما حصل لشوستاكوفيتش وغيره. وكان مؤلفاً وقائد أوركسترا ومربياً بارعاً درس على يديه الكثير من المؤلفين مثل سرغَي بروكوفييف وآرام خاتشاتوريان.

بقي أن نذكر في ختام هذه العجالة شيئاً عن نشاط الفنانين العراقيين في المنفى، بشكل خاص الموسيقيين الذين أثبتوا جدارة فائقة في عملهم وبرعوا في تقديم الموسيقى الأوروبية في عقر دارها، وهم الذين انتزعوا إعجاب وتقدير عشاق الموسيقى بفضل قدراتهم الفنية العالية ودأبهم وتفانيهم. وقصي قدوري رغم تفوقه الواضح فهو ليس وحيداً في ذلك، فهناك الكثير من الموسيقيين العراقيين موزعين في المنافي الأوروبية، شباباً وكهولاً، إذ نسمع عن نشاط همسة الوادي عازفة البيانو الشابة في فنلندا، وعن احتراف زيد شنون عازف الكمان الشاب في فرقة مشكولتس السمفونية (المجر) منذ العام 1987، وعن حفلات موسيقى الحجرة التي يقدمها الأستاذ منير الله ويردي عازف الكلارينيت العراقي في فيينا - النمسا، ناهيك عن سفراء موسيقانا العراقية والعربية ممن يعزفون على العود والقانون أو يقرأون المقام العراقي الأصيل، وبينهم فرات قدوري، أخو قصي قدوري، وهو عازف قانون بارع يقيم في ألمانيا أمتعنا بتسجيلات جميلة هو أيضاً. لهم جميعاً حبنا وشكرنا، فهم الذين عكسوا وجه العراق الحقيقي الناصع، الإنساني، المتحضر في وقت لم يعرف العالم عن العراق شيئاً سوى الدمار والقهر والحروب، والماضي المجيد.

ثائر صالح - بودابست

Register and Claim Bonus at williamhill.com