02.jpg
  • Home
  • Press
  • عربي
  • فرات قدوري والذهاب بالقانون الى أرض الجاز

"ذكريات جميلة"... للعراقي فرات قدوري

ظل عازف القانون والمؤلف الموسيقي العراقي فرات قدوري يراقب مشهد بلاده بتمعن, عله يجد فرصة يعود من خلالها الى الحاضنة الإجتماعية والفكرية التي كونته, فهو بعد خروجه من بلاده التي كانت تعاني الحصار وعزلة فرضها النظام السابق في منتصف العقد الماضي, واقامته الموقتة في الأردن ولاحقاً بين بلجيكا وألمانيا وايطاليا, منّى النفس بعودة الى بغداد بعد الحرب الأخيرة عام 2003, الا ان ايقاع التدمير ظل اعلى من أي صوت يمكن لآلة موسيقية ان تصدره, كما ان التحولات كشفت عن حاجات للعراقي كالأمن والإستقرار بدت معها الثقافة "سلعة كمالية" ما حدا به وبغيره من موسيقيين ومثقفين عراقيين غادروا وطنهم الى التروي في العودة, حيث لا نشاط فنياً او ثقافياً لافتاً في بغداد التي تبدو مذعورة خشية انفجار او اغتيال.
وصاحب اسطوانة "قانون بين النهرين" وصل الى عمّان قبل ايام للمشاركة في "ملتقى القانون الدولي الأول" المقام على هامش مهرجان جرش, وامتدت به الإقامة لاحقاً في المدينة التي عرفته عبر امسيات اظهر فيها قدراته مؤلفاً وعازفاً على الآلة الشرقية العتيدة, وعاود تلك الأمسيات في عرض استضافه "مركز الأورفلي للفنون" وحمل عنوان "ذكريات جميلة" وشاركه في العزف ضارب الإيقاعات الرشيق لطيف سعد العبيدي المقيم في هولندا وعضو الفرقة المصاحبة لقارئة المقام العراقي فريدة محمد علي.
وفي امسيته كان قدوري الذي درس الموسيقى شرقيها وغربيها, في مدارس بغداد وكلياتها فضلاً عن ترعرعه في عائلة موسيقية عريقة, فوالده الباحث والملحن المعروف حسين قدوري, وشقيقه سعد عرف في هنغاريا وبرع عازفاً على "التشيللو", اظهر مستويين من نشاطه الموسيقي: التأليف والعزف, ففي الأول يتوقف السامع عند براعة محسوبة بين احترام قدوري للقوالب وبين لمسته الشخصية, وهو ما برز في مقطوعته الرقيقة "ريا الريح الطيبة" وفيها قارب قالب "اللونغا" الرشيق. وفي الثاني يحافظ قدوري على كلاسيكية عازفي القانون بحسب المدرستين التركية والمصرية من دون ان ينسى اضفاء لمساته الشخصية في مهارة لا تميل الى الاستعراض, ولكن من دون نمطية حتى وإن عزف الحاناً لغيره من المؤلفين الموسقيين العراقيين كما في عزفه الرشيق لرائعة غانم حداد "سولاف".
التأليف الموسيقي العربي المعاصر نادر, لذا تكتسب محاولات "النادرين" اهمية لافتة لا سيما اذا كانت تحفل بلمساتها الفنية المؤثرة, وهذا ما استمعنا اليه في مقطوعة "الرحيل" التي صاغ فيها قدوري رؤية تعبيرية عالية, فهو يصور فكرة الرحيل او السفر وكأنها انفصال قاس عن المكان الحميم, فتأتي الأنغام قوية كانها النذير ثم تخفت وتتوافق ولاحقاً تعود الى القوة الأولى ذاتها, كأن الرحيل فزع دائم ونذير يطارد الروح في غربتها. وتوافقاً مع عنوان امسيته "ذكريات جميلة" التي حضرها جمهور غلبت عليه النخبة العراقية المقيمة في العاصمة الأردنية, جاءت المقطوعات التي حفلت بتقاسيم على المقامات المعروفة في الغناء العراقي وأطواره, وتحديداً "المقام العراقي", فعزف قدوري "مقام المخالف" الذي يشكل البناء الروحي للغناء العراقي وضمن المقطوعة جاء لحن الطقطوقة "يا حنينه" وكذا في مقطوعة "تنويعات مقام اللامي" وهو مقام ابتدعه مطرب المقام العراقي الراحل محمد القبانجي, وعزف مقطوعة "مقام البنجكاه" التي تكوّن البناء اللحني لأغانٍ من الموروث العراقي "للناصرية" و"عمي يا بياع الورد" وهما من عيون غناء الراحل حضيري ابو عزيز. فرات قدوري اراد لأمسيته ان تكون "ذكريات جميلة" ولكنه على عادة العراقيين جاءها "ذكريات حزينة" لا سيما ان ايقاعاً كارثياً ما انفك يكون ايقاع بلاده!

 

علي عبدالأمير
جريدة الحياة اللبنانية
30 أغسطس 2004م
 

Register and Claim Bonus at williamhill.com