03.jpg
  • Home
  • Press
  • عربي
  • فرات قدوري والذهاب بالقانون الى أرض الجاز

فرات قدوري والذهاب بالقانون الى أرض الجاز

تجربة المزج في الموسيقى ليست ظاهرة جديدة، حتى على صعيد الموسيقى العربية. وإذا نحينا جنباً تجارب فنانين مثل محمد عبدالوهاب والرحابنة في تقديم الموسيقى الأوروبية وروحيتها الى المستمع العربي الذي تعودت اذنه على المونوفونية، فقد خاض عدد من الفنانين تجربة تشكيل فرق مختلطة مع عازفين من ثقافات أخرى. إذ لا يمكننا نسيان الفنان جميل بشير على العود مع عدد من العازفين من أميركا اللاتينية على الغيتار والقيثارة (الهارب) في أواخر الستينات من القرن الماضي وقطعته الرائعة «شلالات»، مثلما قام أخوه منير بشير بالعزف مع رافي شانكار الهندي لاحقاً، وتبعه ابنه عمر بشير بالعزف مع عازفي غيتار فلامنكو في السنوات الأخيرة.
هذه المرة يخوض عازف القانون العراقي فرات قدوري تجربة من نوع مختلف، إذ دخل القانون، أكثر الأدوات الموسيقية العربية تعقيداً حقل نوعين مختلفين من الفنون الموسيقية: الجاز والباروك. هذا النمط من الأداء الموسيقي يسمى Fusion وهو المزج أو التصاهر أو السبك. هذه التوليفة ليست غريبة على الإطلاق، فالجاز يشبه بعض الموسيقى العربية وبالذات المقام العراقي في الارتجال المقنن، أي الخاضع لقوانين صارمة تراكمت عبر السنين، وفي غنى إيقاعاته الأفريقية الأصل وتشابهها مع إيقاعات الموسيقى العربية المعقدة، وفي ظواهر موسيقية اخرى كثيرة منها تأخير النبر Syncopation مثلاً. أما موسيقى الباروك فهي تلتقي مع الموسيقى الشرقية في الجذر المشترك للأدوات الموسيقية: فالقانون هو أبو الجمبالو (بالفرنسية الكلافسان) وجد البيانو، والعود هو أبو اللوت (حتى اسمه مشتق من العود). كذلك تتشابه الموسيقتان في الاهتمام بالمقام، حيث يتمتع المفتاح بأهمية استثنائية في موسيقى الباروك لتحديد «طعم» الموسيقى.
وعلى رغم عدم معرفة الموسيقى العربية تعددية الأصوات (إذ لا نلمس فيها سوى بدايات للهارموني، أي التناغم في الأصوات)، فالاستخدام الواعي للمراكز الصوتية (مثل الثالثة والخامسة المسيطرة والجواب - أي الأوكتاف) يجعلها على مقربة من التوصل إلى التعددية الصوتية: وهذا هو أساس علم الهارموني – التناغم الصوتي. هذه المقدمة قد تكون ضرورية كمدخل إلى تجربة الفنان فرات قدوري، لما فيها من أهمية نظرية تساعد على انتشال تطور الموسيقى العربية من ركوده الذي ابتدأ بعد وفاة صفي الدين الأرموي (1197-1272) صاحب كتاب الأدوار، وعبدالقادر المراغي (1353-1435)، آخر المنظّرين في الموسيقى.
شارك قدوري في مهرجان دبي العالمي للجاز الذي انتهى أخيراً، وكانت حفلات المهرجان مجانية عدا حفلات الأيام الثلاثة الأخيرة. وفي كولونيا (ألمانيا)، كان على موعد في 16-18 آذار (مارس) مع موسيقى مختلفة، عندما قدم مع فرقة سرباند حفلة عنوانها «آلام المسيح العربية:
باخ يلتقي الموسيقى العربية والجاز»، وهو عنوان غريب، لكن الغرابة تزول بعدما نعلم أن العرض الموسيقي صاحبه عرض فوتوغرافي لصور غيث عبدالأحد وكايل آلفورد وتورن أندرسون وريتا لايستنر (من شبكة الصحافيين الذين لا يرافقون الجيش في العمليات العسكرية) في سلسلة من صور آلام المواطن العراقي العادي اليوم، مما أعطى موسيقى باخ عن آلام المسيح Passion أبعاداً جديدة ومحتوى عميقاً مختلفاً. وكان تقديم هذا العمل خلال فترة الفصح مناسبة لتسليط الضوء على المأساة العراقية في أوروبا وربط الموسيقى العربية والجاز بموسيقى باخ التي قدمت بحلة معاصرة (وقد لا يعجب تحوير موسيقى باخ في هذا الشكل الكثير من محبي موسيقاه... ألف باخ ثلاثة أعمال عن آلام المسيح، أشهرها ذلك المؤلف حسب انجيل متى وهو العمل الذي سبب تقديم الموسيقار فيلكس مندلسون بارتولدي له عام 1829 في إعادة اكتشاف موسيقى باخ المنسية، وبحسب انجيل يوحنا، بينما فقد العمل الثالث).
تتألف فرقة سرباند (والكلمة تدل على رقصة تعود إلى عصر الباروك) من عازفين من مختلف البلدان والثقافات، فهناك عازفون على الأدوات الموسيقية الغربية مثل الكمان والفيولا والتشيلو والتشمبالو والأورغن والساكسفون، وهناك عازفون على الأدوات الشرقية مثل الناي والقانون والكمان الشرقي، علاوة على الأصوات حيث تشترك المغنية اللبنانية فاديا الحاج بصوتها من طبقة آلتو في غناء أعمال باخ. يقود الفرقة الفنان الألماني - البلغاري الأصل فلاديمير إيفانوف وهو صاحب الفكرة ومن يقوم بإعادة كتابة الأعمال الموسيقية وقيادة الفرقة. وفرات قدوري ولد ونشأ في أجواء موسيقية، فوالده هو الموسيقي والباحث والمربي حسين قدوري، وإلى جانب فرات الذي بدأ دراسة الموسيقى مبكراً في مدرسة الموسيقى والباليه في بغداد، درس أخوه التيشلو هناك أيضاً، ثم أكمل دراساته الموسيقية العليا في بودابست وأصبح عازف تشيلو معروفاً وله عدد من التسجيلات الفردية والجماعية.
اشترك فرات قدوري في إنشاء فرق موسيقية مثل فرقة الرافدين وجماعة أكد وفرقة بابل والنهار الجديد وفرقة بيت المقام العراقي ومجموعة ما بين النهرين وجماعة لكش. صدرت له تسجيلات (سي دي) في عنوان «قانون بين النهرين»، و «نداء الروح» و «لجش»، ويوشك على إنجاز ألبوم جديد بعنوان «الجنائن المعلقة» هو محاولات في التأليف الموسيقي والمزج بين الكلاسيك والجاز والموسيقى اللاتينية، ومن قطعه حكاية سمير أميس وغزل عشتار وليلة شهرزاد وأنشودة المطر للسياب، وكذلك قطعة شاء القدر في رثاء والديه وقد توفيا من دون أن يتمكن من وداعهما.

 

Register and Claim Bonus at williamhill.com